Home

شرح كتاب الحج و العمرة من منار السبيل ـ المحاضرة الأولى

 

 

المحاضرة الأولى :

إنَّ الحمد لله، نحمـده، ونستعينه، ونستغفره، ونــــــعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، من يهــــده الله؛ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل؛ فلا هادي له .

 و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده و رسوله.

أما بعد :

أدلة منسك الحج :

فالنبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته لم يحج سوى حجة واحدة بلا خلاف وهى الحجة التي سميت بعد ذلك بحجة الوداع لأن النبي طاف يودع فيها الناس فيقول "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّى لاَ أَدْرِى لَعَلِّى لاَ أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِى هَذِهِ"[1]

 فالنبي صلى الله عليه وسلم ما حج بعد الهجرة سوى هذه الحجة .

وأما قبل الهجرة فقد استظهر كثير من أهل العلم أنه حج , ولم يرد لدينا دليل بذلك ، لكن ليس من المتصور أن النبي صلى الله عليه وسلم يظل 13 عام يذهب فيعرض نفسه على القبائل ويعرض الإسلام على الناس في مناسك الحج والعمرة وفي منازلهم ولا يحج , فضلاً عن حجه قبل الرسالة ، لكن المهم الحجة التي حجها بعد الهجرة هي حجة واحدة وهي حجة الإسلام وهي التي سميت بعد ذلك بحجة الوداع ، وإنما قلت حجة الإسلام لأن الحج  قبل الهجرة لم يكن مفروضاً ، لكنه كان بقية من ديانة إبراهيم عليه السلام  وكان أهل الجاهلية يدينون بدين الخليل إبراهيم وإنما الذي جعلهم مشركون أنهم أدخلوا عليها الشرك ، لكن كانوا في الحقيقة على ديانة إبراهيم وبقي فيهم بقايا كثيرة من هذه الديانة المباركة.   

هذه الحجة  التي حجها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتي سميت بحجة الوداع هي الحجة التي أُخِذَ منها كامل منسك الحج وقد أُخذ المنسك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغالب فعلاً لأنه أنما علّم الناس المنسك بالفعل فقال لهم : "لتأخذوا عني مناسككم"[2]

وأقول في الغالب لأنه علّم بعض المنسك نطقاً ، لكن في الغالب أخذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم .

 أخذ أهل العلم من ذلك قاعدة : " قالوا الأصل في سائر أفعال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حجته أنها للوجوب "

س : كيف تقول ذلك ونحن قد قررنا قبل ذلك في درس الأصول أن الفعل لا يدل على أكثر من الاستحباب ؟

ج : نقول فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  في الحج إنما كان فعلاً بيانيًا والفعل البياني يأخذ حكم المبين إن كان المبين واجبًا يكون الفعل واجب وإن كان المبين مستحبًا يكون الفعل مستحبًا ، ولذلك فأهل العلم على أن سائر ما جاء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من فعل في حجته إنما الأصل فيه الوجوب إلا ما دلت القرينة على أنه مستحب .

إذاً إذا وقع الاختلاف سنتحاكم إلى هذه القاعدة . هذه واحدة .

سبب الخلاف بين الصحابة في المنسك :

الثانية : أن هذا المنسك لما صدر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعلاً نقله الناس وفي بعض الأحيان نظروا في الفعل وقرروا منه فقهًا ، فوقع الخلاف بين الصحابة في المنسك مع أنه منسك واحد .

 وأنا أضرب  لذلك مثالاً واحد مهمًا في أول المنسك:

 النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما حج هذه الحجة, قال بعض الناس : إنه حج مفرداً للحج كأم المؤمنين عائشة , وقال بعض الناس:بل تمتع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ , وقال بعضهم :بل قرن بين الحج والعمرة .

فهذه أقوال ثلاثة في منسك واحد لم يتكرر وقعت لأصحاب النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ

 كيف قالوا ذلك وإنما أخذوا المنسك عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً ؟ لأنهم أخذوا فعل  .

كل واحد منهم نظر في شيء , فأم المؤمنين مثلاً نظرت فوجدت أن فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا المنسك لم يخرج عن فعل المفرد لأن الفرق بين المفرد والقارن هو في ذبح الهدي وهي قالت : خرجنا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نريد الحج لا نعرف العمرة في أشهر الحج ، لماذا ؟

لأن الجاهلية تقول العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور .

فرأته قام بأعمال المفرد مع أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذبح هديًا ؟

 هي رأت أنه ذبح مئة من الإبل تكفي عن سبع مئة حاج وليس عن واحد , فمن الممكن أن يكون قد تطوع بالجميع ، فقالت : إنه مفرد .

ومن قال إنه متمتع ، نظر إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو يذبح الهدي ، فقال : لابد أنه قد تمتع وبخاصة أنه أمر الناس بأن يفسخوا الحج إلى العمرة .

ومن قال هو قارن قال: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :  " لَوْ أَنِّى اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْىَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً"[3]ووجده قد ذبح.

 ومنهم من قد سمع كأنس بن مالك فقال سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يهل بالحج والعمرة جميعاً .

إذا الأصل في حجة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنها مأخوذة من فعله وسيقع في هذا الفعل خلاف لا من الفعل لكن من نظر الناس، والحُجَّةُ في الفعل لا في نظر الناس .

 إذًا الآن عندما نأتي للترجيح سننظر للفعل المجرد لا في قول بعض الأصحاب هذا عند الخلاف , لنحاكم بينهم ونرجح ما هو الراجح .

إذًا القاعدة الأولى : أن المنسك أخذ من الفعل".                                                 

 الثانية : " أن سائر فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا المنسك إنما يدل على الوجوب إلا ما أتت القرينة فصرفته من الوجوب إلى الاستحباب .                                                                             

الثالثة : " الخلاف الواقع بين الصحابة في فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن في النقل لكن كان في النظر فعند خلافهم نتحاكم إلى الفعل المجرد ".                                                                         

الرابعة : " حجة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نقلت عن جمع من الصحابة لكن أكمل نسك وصل لنا في صفة حجة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو المنسك الذي رواه جابر بن عبد الله فهذا أدق ما وصل من المناسك عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حجة الوداع وقد أخرجه بطوله مسلم ولذلك ستجد جمعًا من أهل العلم أفرد حجة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالوصف وأخذ الفقه منها من منسك جابر كابن حزم رحمه الله .

 ابن حزم أفرد هذا المنسك في حجة الوداع بكلام طويل حتى كأن المنسك كل المنسك إنما هو شرح لحديث جابر وابن حزم لم يحج .

وممن أفرد هذا المنسك بالشرح وهو شرح ممتع كصاحبه ابن عثيمين , له كتاب في شرح حديث جابر في صفة حجة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو منسك ماتع كصاحبه وقد أصل فيه بأصول أهل العلم ولكن مع ذلك يقرأه العامي وطالب العلم والعالم والكل يستفيد ولا يشعر أنه نزل بمستواه .

 وممن أفرد هذا الحديث بالشرح الشيخ الألباني محدث الديار الشامية , وقد أفرده أيضًا بطريقة ماتعة انفرد بها الشيخ الألباني وله طريقة ماتعة في عرض النص .

أهل العلم يأتون بزيادات الحديث بعد رواياتهم للحديث , أما الشيخ الألباني فقد ابتكر طريقة أخرى فكان يجمع طرق الحديث وينظر فيها نظرة واحدة ثم يضع الزيادات بين معقوفين ويضع عليها رقم وفي الحاشية يعزو الزيادة إلى موضعها ,  هو لما فعل ذلك تجمعت طرق حديث جابر في سياق واحد بهذا العرض الماتع للشيخ الألباني رحمه الله .

 إذًا أنا أرشد لقراءة حديث جابر في صفة حجة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعليه المعتمد في فهم فقه هذا المنسك لأنه العمدة .

إذًا هذه مجموعة من القواعد لابد لطالب العلم معرفتها قبل أن نبدأ وعلى سهولتها ويسرها ستجد لها أهمية عند مناقشة المنسك .  

أنواع مناسك الحج :                                                                   

   مناسك الحج ثلاثة أنواع عند أهل العلم خلافاً لمن قال غير ذلك ، فابن حزم يرى أن المنسك نوع واحد وهو التمتع ونصر ذلك ابن القيم في كتابه زاد المعاد ونصر ذلك الشيخ الألباني في منسكه والصحيح أن المنسك ثلاثة أنواع : " إفراد ، وقران ، وتمتع "

الإفراد : أنه سيأتي بنسك الحج وحده في هذه السفرة أي أفراد الحج بهذه السفرة فنوى الحج وحده " قال لبيك حجاً " .

 القران : أنه أدخل العمرة على الحج فكانا كالنسك الواحد وهذا بالفعل الذي يحدث ، القارن يقوم بنفس أعمال المفرد ضبطاً والفرق بين القارن والمفرد في ذبح الهدي ، القارن عليه هدي والمفرد ليس عليه هدي وأيضاً في نية النسك يقول لبيك حجاً وعمرة أي قرن وعندها يرجع بأجر النسكين .                                             

 التمتع :  أنه يأتي بالعمرة في أشهر الحج في نفس العام ثم يتحلل منها ويأتي بالحج في نفس السفرة.

 اسمع مني هذه الكلمة وهي ضابطة لهذا النسك .

 التمتع أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج وإن كانت قبل أشهر الحج ؟ فليس متمتعاً .

 يعني لو أن رجل سافر في شهر رمضان أو شعبان فأتى بعمرة ثم ظل في مكة حتى حج من نفس العام يكون متمتعاً ؟ لا غير متمتع ، لابد أن يوقع العمرة في أشهر الحج ، وأشهر الحج شوال وذو القعدة  وذو الحجة .

 ولو أن رجل جاء فنوى العمرة في أخر يوم من رمضان قبل غروب شمسه فلما غربت الشمس طاف لعمرته ، إذاً أوقع بعض العمرة في رمضان وبعضها في شوال يكون متمتع ؟ خلاف بين أهل العلم .             

الشرط الثاني : أن تكون العمرة في نفس العام الذي أتى به في الحج .

 مثلاً لو أتى بالعمرة في شهر ذى القعدة ثم عاد إلى بلده وفي العام القادم الذي يليه حج هل يكون ممتع ؟ لا، مع أنه أتى بالعمرة في أشهر الحج ، ولكن لابد من الشرط الثاني وهو أن تكون العمرة في نفس العام الذي حج فيه .                                         

الشرط الثالث : أن يتمتع بالعمرة إلى الحج في نفس السفرة فإن أتى بالعمرة في أشهر الحج ثم عاد إلى بلده أو إلى مسكنه الذي يسكن فيه في الحل ثم جاء مرة أخرى مسافر للحج في نفس العام فهذا ليس متمتعاً ، لماذا ؟ لأنه لم يتمتع بالعمرة إلى الحج .

  التمتع بالعمرة إلى الحج هو أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج في سفرة واحدة فيتمتع بينهما بالحل كل الحل , أما إذا عاد إلى بلده ثم جاء مسافراً فهذا قد أفرد الحج بسفرة ، وقد أفرده بنسك وقد أفرده من الميقات بالإحرام . 

إذاً من كان يعمل في المملكة السعودية وكان يعمل في الدمام أو الرياض ثم قام بعمرة في أشهر الحج ثم عاد إلى عمله ثم عاد من نفس العام فحج ما حكمه ؟ هذا لايكون متمتع إلا على قول الحسن البصري فإنه عنده متمتع والصحيح الذي قلت .

 من أين قلنا ذلك ؟ قلنا ذلك من قول الله تعالى " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي " إذاً الهدي لأجل أنه تمتع بين العمرة والحج في سفرة واحدة بكامل الحل ، لكن من يعود إلى بلده هل يكون متمتع بالعمرة إلى الحج ؟ أم يكون أتى بهذه في سفرة ومنسك وهذه السفرة ومنسك ؟ بل كل واحد سفرة ومنسك .

*الآن نريد أن نصور المنسك نفسه وأنا سأبدأ من الأخير وهو التمتع . لماذا أبدأ بالتمتع؟ لأني لما أذكر التمتع إذاً أنت عرفت العمرة وعرفت الحج المفرد كيف يتم والحج القارن كيف يتم لأنهما واحد .

سنتكلم الآن عن العمرة ثم العمرة في أشهر الحج .

العمرة : ميقاتها الزماني سائر العام , لو أراد في سائر العام أن يأتي بالعمرة لأتى بها غير أن أهل العلم استثنوا من ذلك يوم عرفة ويوم العيد , قالوا لا يعتمر في يوم عرفة ولا يعتمر في يوم العيد لماذا؟ قالوا لأنه يكون منشغل في الحج , وأنا لا أره مانعًا ولذلك قلت قال أهل العلم .

تعالَ الآن معي حتى نعرف منسك العمرة مم يتكون .

العمرة فيها أركان وواجبات وسنن ، وسبق معنا في درس الأصول أننا قلنا أن الركن والفرض بمعنى واحد والواجب بنفس المعنى .

والفرق بين الركن والفرض أن الركن يسمى ركن لأنه يكون داخلا في تركيب شيء فلما أتكلم عن فريضة الصلاة أقول : وأركانها كذا . لماذا ؟ لأنه داخل في تركيب شيء وأهل العلم يتساهلون في ذلك , أحياناً يقولون فروض الصلاة وأحياناً يقولون أركان الصلاة , وقلنا قبل ذلك أن جمهور أهل العلم لا يفرق بين الفرض والواجب وأنهما بمعنى واحد إلا الحنابلة يفرقون بينهم في كتاب الطهارة والصلاة والحج وسائر الجمهور يفرق بين الركن والواجب في كتاب الحج .

الحج والعمرة فقط هما اللتان يفرق بينهما الجمهور بين الفرض والواجب , وهل هو نفس تفريق الحنفية أم يختلف ؟ بل يختلف.

 ما الفرق بين الركن أو الفرض والواجب في كتاب الحج ؟ الفرض في كتاب الحج لا يسقط نسيانا ولا خطأ فضلاً عن أن يسقط عمداً ، الواجب يسقط بالخطأ والنسيان والجهل ، وزد عليهم أن تركه عمداً لم يبطل الحج ولا العمرة وعليه فيه فداء , لو ترك ركنا من أركان الحج ماذا يفعل ؟ يبطل الحج ؟ الحج لا يبطل بشيء أبداً , ولا يبطل الحج إلا بما يبطل به الإسلام وهو الردة , فإذا بطل الإسلام بطل الحج وذلك لقوله تعالى " وأتموا الحج والعمرة لله " فأمر الله بإتمام الحج والعمرة على كل حال .

ممكن أحد يسأل ويقول : أنت قلت لا يبطل ولو ترك الركن فماذا يفعل ؟ نقول يأتي بالركن ويكون الحج صحيحًا والعمرة صحيحة .

 فإن قيل : أنت قلت ذلك والوقوف ركن مؤقت بوقت وهو يوم عرفة وقد تركه فماذا يفعل ؟ هل يبقى على إحرامه للعام الذي يليه ؟ نقول لا ، بل نقول هذا فاته الحج ولا نقول بطل , ولذلك هذا إنما يتحلل بعمرة ولا نقول بطل الحج .

 فإن قيل : وما شأن من جامع قبل التحلل الأول أو قبل الوقوف بعرفة ؟ هل تقول الحج لا يبطل به وقد عبر بعض أهل العلم ببطلان الحج كابن حزم ؟

نقول : أيضاً هذا لا يبطل حجه  بل نقول هذا حجه فاسد , والفرق بين الفاسد والباطل في هذا الباب فرق معلوم , ولذلك هذا يمضي في النسك كصاحب النسك الصحيح ويكمل باقي النسك ثم عليه الفداء ثم عليه أن يحج من قابل قضاء ، لكن حجه لا يبطل وحكمه الفساد وليس البطلان .

ملحوظة : الفرق بين الباطل والفاسد هنا في الحج يكون في الأجر والإتمام , فالحج الفاسد له أجر وهو سيتم الحج لكن الباطل لن يتم النسك بل سيرجع إلى بلده بعكس الفاسد فله أجر على الإتمام وعليه وزر على الإفساد .

*أركان العمرة ثلاثة أركان ، وواجبات العمرة على التحقيق واجبان .

أركان العمرة :  " إحرام ، وطواف ، وسعي "

واجبات العمرة :1- أن يقع الإحرام من الميقات .

 إذا عندي الإحرام والإحرام من الميقات ، الإحرام : هو أن ينوي وهذا هو الركن ، وأن يكون الإحرام من الميقات هذا هو الواجب .

2- الحلق أو التقصير .

 أما السنن فهي كثيرة وستأتي في الصفة .

 الإحرام هو ركن العمرة الأعظم ومعنى كلمة إحرام أي نية الدخول في النسك والنية عمل قلبي لا دخل للسان فيه ، لكنه في هذا النسك يستحب مواطأة اللسان للقلب تحدثاً بنعمة الله فيرفع صوته بالنسك فيقول " لبيك عمرة " ثم يقول " لبيك اللهم لبيك " ويلبي , والإحرام يجب أن يقع في الميقات ، وما معنى الميقات ؟ النبي صلى الله عليه وسلم وقّت للحج والعمرة مواقيت مكانية وهي أماكن حول مكة لا يجوز لصاحب النسك أن يتجاوز هذه الأماكن حتى يحرم بالحج أو العمرة إن كان يريد النسك .

والمواقيت التي وقتها النبي إما خمسة مواقيت وإما أربعة .

وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة والمعروفة الآن بأبيار علي ، وتسميتها بأبيار علي سميت بذلك لحديث مكذوب ولكنها معروفة عند العوام بذلك وانتشرت وانتشر الاسم حتى أن الناس لا يعرفون ذا الحليفة ويعرفون أبيار علي .

يقولون أن علي بن أبي طالب في هذا المكان حارب الجن وانتصر عليهم فسمّي المكان بأبيار علي , وميقات أهل المدينة هو أبعد المواقيت عن مكة يبعد450كم , وبعض أهل العلم أبدى لذلك حكمة أذكرها والعهدة على من ذكرها وليس عليها دليل . قالوا : إنما ميزت المدينة بهذا الميقات البعيد تشريفاً لها , قالوا : لأن المدينة فيها حرم مابين ثور وعير هو حرم المدينة فيخرج من حرم لمدينة فيأتي ذا الحليفة فيحرم بالحج ، فيخرج من الحرم المكاني إلى الحرم العِبادي ولو نظرت لعرفت أن بين المدينة وذا الحليفة 18كم وبين المدينة ومكة 450كم .

 ووقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الشام ومصر الجحفة وهي قرية قد اجتحفها السيل فسميت بالجحفة وبين الجحفة ومكة ما يقارب من 150إلى 160 كم والناس الآن تحرم من قرية قريبة من الجحفة وهي قبل الجحفة تقريباً ب20كم واسمها رابغ ؛ لأن الجحفة لا تصلح للإحرام وذلك أن السيل اجتحفها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت بالصحابة حمى المدينة دعا الله أن ينقلها إلى الجحفة فمن يذهب إلى الجحفة في الغالب يصاب بالحمى لارتفاع درجة الحرارة ولذلك جعلوا الإحرام من رابغ .

ووقت لأهل اليمن يلملم بينها وبين مكة 60كم وهي أقرب المواقيت من مكة والآن الناس تحرم من بلدة قبلها اسمها السعدية.

 ووقت لأهل نجد قرن المنازل والناس تقول الآن قرن المنازل أو قرن الثعالب والصحيح أنها قرن المنازل , وأما قرن الثعالب فهي قرية بجوارها .

ووقت لأهل العراق ذات عرق يبعد عن مكة تقريبا 96كم ،وقيل أن الذى وقت ذات عرق هو عمر بن الخطاب ،ولكن ورد توقيت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العراق في صحيح مسلم ،والجمع بينهما أن عمر بن الخطاب لم يعلم بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم فوقت ذلك المكان فوقع موافقا لميقات النبي صلى الله عليه وسلم ، وكم لعمر من مثل هذا !!

*يأتي الميقات فيحرم منه ، الإحرام من هذا الميقات هو واجب فإن تجاوز الميقات وأحرم بعد الميقات فالإحرام صحيح لكن بتجاوزه الميقات عليه واحدة من أمرين عند الجمهور :

 1ـ إما أن يرجع ولا يكون عليه دم . 

2ـ أو يمضى ويحرم من مكانه ولكن عليه دم لتجاوزه الميقات .

إذا ورد إلى الميقات يفعل أشياء على وجه الاستحباب : أن يغتسل لحجه أو عمرته ، وغسل الحج أو العمرة هل هو غسل نسك أم غسل تنظف ؟

بل غسل تنظف ولذلك لما نفست أسماء بنت عميس  زوجة أبى بكر وكانت قد خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حاملا فلما كانت في الميقات في ذى الحليفة عند الشجرة نفست في محمد بن أبى بكر ، "فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَبَا بَكْرٍ يَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ"[4].

 فغسلها الآن غسل رفع حدث أم تنظف ؟

 بل تنظف

, والآن ستحرم وهي علي نفاسها ؟ نعم

 وعليه فلا يشترط للإحرام الطهارة , فيصح الإحرام من الحائض والنفساء والمحدث حدثًا أصغر وأكبر بدلالة إحرام أسماء بنت عميس

 ويزيل الأشعار إن احتاج لذلك والمراد بالأشعار شعر الإبط والعانة

 ويزيل الأظفار إذا احتاج لذلك ، لأنه سيحرم عليه بالإحرام أن يزيل الأشعار والأظفار

فإذا فعل ذلك تطيب في بدنه ، أم المؤمنين عائشة تقول : :كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِى مَفْرِقِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهْوَ مُحْرِمٌ"[5] .

 إذا قبل الإحرام يتطيب في بدنه ويستديم هذا الطيب بعد إحرامه في بدنه ولا إشكال , لكنه لا يطيب ملابس الإحرام لحديث صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْخَلُوقِ أَوْ قَالَ صُفْرَةٍ فَقَالَ كَيْفَ تَأْمُرُنِى أَنْ أَصْنَعَ فِى عُمْرَتِى فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَسُتِرَ بِثَوْبٍ وَوَدِدْتُ أَنِّى قَدْ رَأَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْىُ . فَقَالَ عُمَرُ تَعَالَ أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْوَحْىَ قُلْتُ نَعَمْ . فَرَفَعَ طَرَفَ الثَّوْبِ ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ كَغَطِيطِ الْبَكْرِ . فَلَمَّا سُرِّىَ عَنْهُ قَالَ « أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ اخْلَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ عَنْكَ ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ ، وَاصْنَعْ فِى عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِى حَجِّكِ[6] » .

 إذا ملابس الإحرام لا تطيب ولكن الذي يطيب البدن ويستديم الطيب بعد الإحرام بلا إشكال , ثم يلبس ملابس الإحرام ، وملابس الإحرام أهل العلم عبروا عنها بالمخيط فقالوا :لا تكون مخيطا

 وكلمة مخيط لم ترد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس القميص _ الجلابية _ والبرانس والسراويل فعبر الناس عن مثل هذا بالمخيط , والمراد بالمخيط عندهم يعني ما كان مفصلا على قدر العضو سواء دخله الخيط أم لا ، وعلى هذا , لو انقطعت ملابس الإحرام فخيطها يكون ممنوعًا أم لا ؟ غير ممنوع

  عنده ملابس إحرام قصيرة فزاد عليها قطعة أخرى ممنوع أم لا ؟ غير ممنوع.

جاء لملابس الإحرام وسرفلها حتى لا تكرّ ممنوع أم لا ؟  غير ممنوع ، إنما الممنوع ما كان على قدر العضو ولو كان بغير خيط ، فلو جاء على الرداء وجاء بالدبابيس وصنع منه كُمًا ممنوع أم لا ؟ نعم ممنوع ، وهذا هو المخيط مع أنه لم يدخله الخيط .

أنبه على مسألة : الآن يوجد بين الناس إحرام شبه قطعة تسمى الحاجز وهي تشبه حفاض الأطفال حتى يغطي العورة وهذا محيط بالعورة وهي تشبه الملابس الداخلية وتغلق بالدبوس أو بشريط ضغط ؟ هذه ممنوعة لأنه من المخيط لأنه على قدر العضو .

 ولا يلبس الخفين ، وما معنى الخف ؟

 هل تعرف البوط الذي يلبسه العسكر الذي يغطي الكعبين ، هذا هو الخف , وما كان تحت الكعبين يسمى نعلا ، فالجزمة التي نلبسها الآن هل هي خف أم نعل ؟ نعل ،

 والناس الآن تشدد على نفسها وتلبس شبشب من نوع معين لا يدخل فيه الخيط وليس هذا المراد ولو دخل فيه الخيط وكان تحت الكعبين فهذا غير ممنوع ، ولا يجب أن يُكْعِبَ الجزمة لأنها نعل وما دامت تحت الكعبين فهي نعل ، بل لو كان في الحج يحتاج إلى الحذاء فإنه من الممكن يتوقف الطريق من عرفة إلى مزدلفة فيزدحم جداً فيضطر للمشي فإذا كان يلبس نعلاً يكون المشي أسرع وأخف .

 الآن لبس ملابس الإحرام وكذلك النعلين هل دخل في النسك ؟ الجواب لا ، لكن هو بذلك يستعد للدخول بالنسك هذا عزم وقصد .

 بعد ذلك إن أراد أن يسير ينوي الإحرام ، والنية محلها القلب لكن أهل العلم استحبوا أن يواطئ اللسان ما في القلب فيقول " لبيك عمرة ثم يقول لبيك اللهم لبيك " .

الناس تظن الآن أن الإحرام له سنة ، يقول أصلي ركعتين سنة الإحرام ومن المستحب أن يكون الإحرام بعد صلاة ، وهذا غير صحيح , بل إن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى الفريضة نوى بعدها الإحرام , فإذا صليت فريضة من الفرائض أو سنة من السنن أنت تفعلها كسنة الوضوء ونويت بعدها فلا بأس وهذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن لا تتكلف صلاة ركعتين وتسميها سنة الإحرام .

 بعد ذلك يلبي في الميقات ويبقى على تلبيته حتى يرى البيت ، طيب الآن الناس في الطائرة ، والطائرة فوق الميقات ماذا نفعل ؟ العادة أن المضيف يأتي قبل الميقات بعشر دقائق وينبه الناس ويقول سنمر بالميقات بعد عشر دقائق وهذا يكون في مواسم العمرة ، عندما يكون أغلب الطائرة محرم ، وإذا لم يكن في موسم العمرة فعليك أن تسأل المضيف وتقول قبل الميقات نبهني . طيب ماذا لو قال لك قبل خمس دقائق من الميقات وهي تمشي بسرعة ماذا تفعل ؟ تلبي و أنت في مكانك .

نصيحة لمن يركب الطائرة أقول : البس ملابس الإحرام قبل الصعود للطائرة ؛لأن حمام الطائرة ضيق وهناك عدد كبير من الحجاج من المواسم وأنت تحتاج للإحرام فستجد زحما على حمام الطائرة .

 الآن سنفترض أنك لم تحرم أي لم تلبس ملابس الإحرام وأنت في الطائرة وستتجاوز الميقات ، هل أنتظر إلى أن أنزل من الطائرة وألبس ملابس الإحرام وألبّي ؟ لا، لبِّ وأنت في الطائرة وأنت تلبس ما تلبس ، النبي صلى الله عليه وسلم قال " من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل "[7] لا إشكال أنك تحرم بالسراويل التي عليك لأنها هي المتيسرة الآن وإذا افترضنا أنك حتى هذا لم تتمكن منه أيضاً تحرم وأنت في مكانك وعليك كامل زيّك ؛ لأنك ستكون هنا مرتكباً لمحظور خفيف من محظورات الإحرام لكن لم تترك واجباً وهو الإحرام من الميقات , وليس كل المحظورات عليها دم ، ولبس المخيط ليس عليه دم بل عليه واحد من ثلاثة : 1- يصوم ثلاثة أيام ، 2- يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ، 3- أن ينسك دماً ، وهذا على التخيير .

 رب العالمين يقول " فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " وهذا أيضاً حديث كعب بن عجرة فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم لمثل هذا .

الإحرام قبل الميقات عند كثير من أهل العلم جائز ، وعند بعض أهل العلم مستحب ؛ وأنا أقول الإحرام قبل الميقات لو كان لغير حاجة فهو مكروه .

فائدة : الإحرام بعد الميقات عليه دم  والإحرام قبل الميقات ليس عليه دم وكلاهما صحيح لكن لماذا الأول عليه دم والثاني ليس عليه دم ؟ لأن الأول ترك واجب والثاني فعل .

 النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المواقيت الخمسة قال : " هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ " [8] أهل جدة دون الميقات فمن أين يحرمون ؟ من بيوتهم .

 بل أكثر من هذا لو أن رجلاً يسكن في الشرائع , والشرائع نصفها في الحرم ونصفها في الحل ، يعني أنت واقف في الشرائع يقول لك حدود مكة حدود الحرم . إذاً لو مشيت خطوة صرت في الحل . من أين يحرم أهل الشرائع ؟ من مكانهم والنبي صلى الله عليه وسلم يقول " وحتى أهل مكة من مكة "[9] ولكن هذا ميقات الحج وليس ميقات العمرة ، ميقات العمرة يجب أن يخرج إلى الحل فيحرم منه .

 إذاً بعد ما ينتهي من الإحرام في الميقات يبدأ في التلبية ويرفع صوته بها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " جاءني جبريل فقال يا محمد مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعار الحج"[10], وفي حديث آخر سُئِلَ أَىُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ قَالَ « الْعَجُّ وَالثَّجُّ »[11]. الثج : ذبح الدماء ، والعج : رفع الصوت بالتلبية , وكان صحابة النبي الله عليه وسلم يلبون حتى تبح أصواتهم ولم يبلغوا البيداء أي الصحراء , هذا بالنسبة للرجل ، أما المرأة فترفع الصوت بحيث تسمع نفسها ومن بجوارها .

 الآن نحن تكلمنا عما يفعله المحرم في الميقات ، أما المرأة فتفعل ما يفعله المحرم غير أنها تحرم في كامل ملابسها غير أنها لا تغطي وجهها بنقاب ولا تلبس القفازين لقوله " لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين "[12] النقاب : هو المفصل على قدر الوجه ، لكنها إذا كانت في حضرة الرجال الأجانب ماذا تفعل ؟ تسدل على وجهها من خمارها .

 يلبي حتى يأتي البيت ومستحب له أن يدخل من باب بني شيبة , باب بني شيبة هو أقرب الأبواب للحجر الأسود ، وقد دخل منه النبي صلى الله عليه وسلم و الناس تقول باب السلام ، باب السلام بجوار باب بني شيبة ، فإذا دخل جعل البيت عند يساره وهل هناك من ذكر يقال عند دخول المسجد الحرام ؟ نعم هو الذكر الذي تقوله عند دخول أي مسجد ، تقول :بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم أغفر لي وأفتح لي أبواب رحمتك . إذا دخل البيت يجعل البيت عن يساره ثم يستلم الحجر , النبي صلى الله عليه وسلم استلم الحجر بيده وقبّله وسجد عليه , إذا استطاع أن يفعل الثلاثة فعلها وإن لم يستطع أن يستلم بيده أستلم بعصا إن كان معه ، وإن لم يستطع يشير إلى الحجر إشارة .

 ثم يفعل سُنتين  :

السُنّة الأولى :  أن يضطبع وما معنى الإضطباع ؟ أن يأتي بالرداء فيجعله تحت إبطه الأيمن ويرمي طرفه على كتفه الأيسر وهذا ليس سُنّة إلا في طواف القدوم فقط , وابن عباس كان يقول ليس بسُنّة لماذا؟

كان يقول لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعله لعلة وقد زالت ، وما هي العلة ؟ في عمرة القضية ذهب النبي صلى الله عليه وسلم للعمرة وجلس كفار قريش حول الكعبة فلما رأوا النبي لى الله عليه وسلم رفعوا أصواتهم وقالوا محمد وأصحابه قد أنهكتهم حمىّ يثرب فلما سمعهم النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه رحم الله أمرءًا أراهم منًا اليوم قوة ثم كشف عن عضده الأيمن حتى يريهم القوة ثم رمل في الثلاثة الأشواط الأولى , والرمل هو مقاربة الخطا مع إسراع المشي والذي يفعل هذا هو صاحب القوة والنشاط أما الضعيف ماذا يفعل ؟ إما أن يجري حتى ينتهي من الطواف ويستريح أو يمشي متباطئاً ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ماذا فعل ؟ قارب الخطا وأسرع المشي وهذا يفعله صاحب النشاط , فرمل النبي  صلى الله عليه وسلم في الثلاثة الأشواط الأولى وظل مضطبعاً في السبعة الأشواط ابن عباس يقول العلة هذه زالت فالرمل والإضطباع ليس بسُنة ، والجمهور على أنه سُنة لماذا ؟ نحن  ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حج كم مرة ؟ مرة واحدة في  العام العاشر وتوفي بعدها بشهر ونصف من عودته . وفي حجة الوداع أثبت هذه السُنّة إذا فعلها في عمرة القضية لهذه العلة وفعلها وأثبتها في حجة الوداع فثبتت السنية .

الآن يبدأ الطواف ويدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة وهل هناك دعاء اسمه دعاء الشوط الأول ودعاء الشوط الثاني والثالث والرابع  كما يفعل الناس الآن ؟  والكتب التي توزع تأتي بأشياء ليست من السُنة .

إذا ماذا يفعل ؟ يدعو بما شاء , والدعاء الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم بين الركنين فقط .

يقول " ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ". وفي عصرنا هناك زيادة موضوعة يقولون " يا عزيز يا غفار " كلمة يا عزيز يا غفار هذه زيادة من عند الناس ، وهل هناك حرج من قولها ؟ لا تلتزم قولها إذا أردت أن تقول ولا تعتقد السُنية ، لكن إذا اعتقدت السُنية فهي البدعة إذا يدعو بين الركنين بهذا الدعاء .

 إذا انتهى من الأشواط السبعة ماذا يفعل ؟

يعيد الرداء على كتفه ثم يذهب فيصلي خلف مقام إبراهيم ركعتين وذلك امتثالاً لأمر الله واقتداء بسُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , رب العالمين قال " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " والنبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ثم جاء خلف مقام وصلى ركعتين و مقام إبراهيم هو المقام المحاط الآن بزجاج لأنهم يضعون علامات ويقولون هذه أقدام إبراهيم عليه السلام وكثير من الناس يأتي حول مقام إبراهيم ويطوف وهذا جهل والآن يمنعه العسكر , وكثير من إخواني يأتي لمقام إبراهيم ويحاول أن يرى القدم فيزدحم ويبدأ الناس يقولون انظروا لأصحاب اللحى .

 إذا فُعِلَ هذا وكانت ذريعة لمثل هذه المهزلة فلا تفعل , لكن تأتي خلف المقام وتصلي ، لكن أحياناً تكون في الموسم ويكون الحرم شديد الزحام فلو صليت في هذا المكان لضيقت على المسلمين ماذا تفعل ؟ اذهب إلى أي مكان وصلِّ وإن استطعت أن يكون بمحاذاة مقام إبراهيم افعل وإن لم تتمكن ففي أي مكان .

 انتهى من صلاة الركعتين يشرب من ماء زمزم حتى يتضلع ثم يعود فيستلم الحجر استحباباً ثم يخرج إلى الصفا. السلالم التي أمام الحجر هي أقرب سلالم توصلك إلى الصفا والمروة والنبي صلى الله عليه وسلم لما أتى الصفا قبل أن يصعد الجبل وقف فقرأ " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " ثم قال أبدأ بما بدأ به . أنبه لماذا قالها النبي صلى الله عليه وسلم ؟ لأن الآية فيها " إن الصفا والمروة " فعطف ربنا المروة على الصفا بحرف الواو , والواو في لغة العرب لا تفيد أكثر من الجمع فلا تفيد لا ترتيب ولا تراخي ولا أي شيء غير الجمع , مثال : جاء محمد و إبراهيم ممكن محمد وإبراهيم دخلوا مع بعض وممكن محمد دخل وخلفه إبراهيم وممكن إبراهيم دخل أولاً وبعدين محمد وممكن محمد دخل في الصباح وفي الليل إبراهيم إذاً الواو لا تدل على أكثر من الجمع فقط .وربنا قال " إن الصفا والمروة من شعائر الله " ولم يقل إن الصفا فالمروة من شعائر , إذاً الواو لا تفيد بأي شيء أبداً بالصفا أو بالمروة ؟ النبي صلى الله عليه وسلم أحب أن يعلم الأمة فجاء فوقف تحت الصفا فقرأ الآية ثم قال أبدأ بما بدأ الله به ورب العالمين بدأ بالصفا فصعد الصفا . وسنحتاج هذا الكلام عند المروة .

 صعد النبي صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا حتى رأى الكعبة والآن جبل الصفا أزيل وفي الدور الأرضي هناك سلالم مرتفعة قليلاً وفي الأعلى ليست سلالم بل قطعة أرض مرتفعة قليلاً وعليها رخام وفي أعلى هذا المكان قطعة من الجبل . الناس تظن أنه لابد من الصعود فوق هذا الجبل هذا غير صحيح , بل يصعد بحيث يرى البيت فإذا صعد فرأى البيت أمامه فهذا الصعود الذي صعده النبي صلى الله عليه وسلم . النبي صلى الله عليه وسلم رأى البيت فاتجه إليه ثم قال « لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ » [13]ثم دعا دعاء طويلاً ثم أعادها ثم دعا دعاء طويلاً ثم أعادها ، فعلها ثلاثاً ثم انصب حتى أتى بطن الوادي بطن الوادي أي السهل ستجد في كتب الفقه يقول حتى أتى العلمين الأخضرين والآن يضعون أنوارًا خضراء هذا المكان التي سعت فيه سريعاً أم إسماعيل عليه السلام , فالنبي صلى الله عليه وسلم نزل حتى أتى بطن الوادي فأسرع السعي حتى أن إزاره ليدور في وسطه من شدة السعي وفي حجة الوداع في سنن أبي داوود أن النبي صلى الله عليه وسلم  لما انصب في بطن الوادي وأسرع رآه الأطفال ورأته النساء فأسرعن إليه وتواحطن به يقولون هذا محمد هذا رسول الله يريدون أن يروه فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ازدحامهم ركب لهم حتى يروه ويسمعوا كلامه وأكمل النبي صلى الله عليه وسلم السعي بين الصفا والمروة راكباً حتى يراه من يريد .

 الآن يكمل السعي من الصفا حتى يأتي المروة ويفعل في المروة ما فعله على الصفا وبعض إخواني يظن بقولنا أن يفعل ما فعله على الصفا أن يقرأ " إن الصفا والمروة .....الخ " هذا غير صحيح ، نحن عرفنا لماذا قرأ الآية وذلك حتى ينبه بما يبدأ فإذا أتى المروة يفعل عليها وليس تحتها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية قبل أن يصعد الصفا وليس بعد أن يصعد إذاً يصعد على المروة ويدعو ثلاثاً كما دعا على الصفا فإذا فعل ذلك انصب من المروة إلى الصفا ومن الصفا للمروة شوط ، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر , فتبدأ الأشواط بالصفا وتنتهي بالمروة وبعض الناس يعتبر من الصفا للمروة ومن المروة للصفا شوط وهذا غير صحيح  .

 أعطيك ملحوظة مهمة : من الصفا إلى المروة الأشواط الفردية ، ومن المروة إلى الصفا الأشواط الزوجية , وهذا نستفيد منه عند الشك .

 فلو أنك تسعى من الصفا إلى المروة ثم شككت هل هي ثلاثة أم أربعة ؟ فتكون ثلاثة لأن من الصفا للمروة الأشواط الفردية يسعى من المروة إلى الصفا ثم شككت هل هي ستة أم سبعة ؟ فتكون ستة لأن من المروة إلى الصفا الأشواط الزوجية .

والآن بعد أن ينتهي من السعي يكون قد انتهى من الأركان وبقى عليه الآن واجب العمرة الثاني وهو الحلق والتقصير .

أنبه على مسألة رب العالمين يقول " محلقين رؤوسكم ومقصرين " وقبل أن أتكلم في هذه الآية أرجع معك إلى أية الوضوء قال " وامسحوا برؤوسكم " وضع الباء فاختلف أهل العلم هل هذه الباء للإلصاق أم للتبعيض ؟ وهذه الآية فيها باء " محلقين رؤوسكم ومقصرين " أم رؤوسكم ؟ بل رؤوسكم , ومعنى ذلك أن الحلق والتقصير بلا خلاف سيأخذ كامل الرأس , وأما ما يفعله الناس وهو أن يأخذ بعض الرأس فهذا غلط , تجد بعض الأخوة يقف عند جبل المروة ومعه مقص ويقول خلصت العمرة يا حج ؟ يقول تعال أحلِلُك , فيأخذ منه شعرتان من هنا وشعرتان من هنا ويقول له أنت تحللت هل هذا صحيح أم غير صحيح ؟

بل غير صحيح ؛ لأن  التحليق لسائر الرأس والتقصير لسائر الرأس وهذا للرجال ، أما المرأة فتجمع شعرها في ضفيرة أو ضفيرتين ثم تأخذ من الشعر بقدر أنمله , إذا فعل ذلك المعتمر أو المعتمرة فقد تم النسك. وبتمام النسك نتم درس اليوم جزاكم الله خيرا وأحسن الله إليكم.

 



[1] - مسلم في باب اسْتِحْبَابِ رَمْىِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا وَبَيَانِ قَوْلِهِ صلى الله تعالى عليه وسلم « لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ »

[2] - سبق تخريجه

[3] - مسلم في باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم

[4] - مسلم  في باب إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ وَاسْتِحْبَابِ اغْتِسَالِهَا لِلإِحْرَامِ وَكَذَا الْحَائِضِ

[5] - متفق عليه.

[6] - البخاري برقم 1789

[7] - البخاري برقم 1843

[8] - البخاري برقم 1524

[9] -تقدم تخريجه

[10] - السلسلة الصحيحة برقم 830 – 2\ 482

[11] - الترمذي في باب مَا جَاءَ فِى فَضْلِ التَّلْبِيَةِ وَالنَّحْرِ. وهو في السلسلة الصحيحة " 3 / 486 برقم 1500

[12] - البخاري برقم 1838

[13] - مسلم في باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم